الدكتورة إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بابا الفاتيكان...وقمح السلام ورغيف الحرية

سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

الدكتورة إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بابا الفاتيكان...وقمح السلام ورغيف الحرية

 

كالنسمة الرطبة الحانية في قيظ هجير حياتنا الآنية المتشابكة.. زار بابا الفاتيكان "فرانسيس" مصر.. برئة واحدة على إثر إصابته بالتهاب رئوي حاد؛ فاستأصلت إحدى الرئتين؛ بعد صراع دام ثلاثة أيام "بين الحياة والموت"، لكنه استطاع أن يجمع فيها كل معاني الطمأنينة الروحية والسلام لكل دابة خلقها الله على الأرض .. وصل كالنسمة وغادر مصرنا بسلام؛ لكنه ترك لنا خطابًا أثيريًا وأُثيرًا ألقاه في الاحتفال باستقباله؛ أقل ما يوصف به أنه قطعة أدبية تضع دستورًا للحياة السويَّة الواجبة.

 

وفي تقديري، أنه يجب تدريسها في كل مراحل التعليم تحت الجامعي.. بل المرحلة الجامعية أيضًا في مصر وكل أنحاء العالم؛ لتتعلم الأجيال كيفية التصالح مع النفس بالسماحة وقبول الآخر بالمحبة؛ فخطابه جاء محدد الأهداف والتوجهات؛ حاملاً جزالة اللفظ والدلالة في احترام كينونة الإنسان الذي خلقه الله حرًا، ولا يجب أن تستقطبه أقانيم الشر المشوِّهة لوجه الحياة.

 

ويأتي هذا السلام الروحي والتفتح المعرفي ـ برغم كونه كاهنًا في الكنيسة قبل تنصيبه لكرسي الباباوية ـ من شغفه بالأفلام والموسيقى الشعبية في نشأته الأولى بالأرجنتين والأورجواي، وعشقه لرقص التانجو، ومتابعة مباريات كرة القدم؛ واشتهر بأنه مشجِّع بشكل خاص لنادي برشلونة.

 

هذه الصفات التي تؤكد أنه لا انفصال للدين عن حركة الحياة وديمومتها بكل مناحيها؛ ومقارعة الأدب والثقافة، والشعر والموسيقا وكافة الفنون الإبداعية، فهذه هي "تكئة الأنقياء" لمواصلة رسالة الحب والتلاحم بين بني البشر في دروب حياتنا الوعرة وعلاقاتنا الإنسانية بمن حولنا؛ ولتثبيت الوشائج الروحية بين النفوس؛ التي لا غنى عنها، فجاءت إشارته الذكية إلى مصر قائلا: "بيد أن مصر، والتي في زمن يوسف انقذت الشعوب الأخرى من المجاعة؛ هي مدعوَّة اليوم إذن لأن تنقذ هذه المنطقة العزيزة من مجاعة المحبة والأخوة؛ مدعوَّة لإدانة ولهزيمة أي عنف وأي إرهاب يمارس ضد بني البشر أيًا كانت معتقداتهم وقناعاتهم؛ إنها مدعوة لتقديم قمح السلام لجميع القلوب الجائعة لتعايش سلمي، لعمل كريم، ولتعليم إنساني".

 

يدهشني كيفية التقاطه لهذه العبارة الكاشفة، المشيرة بأصابع الاتهام لبني الإنسان بأن النفوس لوثتها فيروسات "مجاعة المحبة والأخوة"؛ وأن المنطقة ـ والبشرية عمومًا ـ مدعوَّة لتقديم "قمح السلام" الذي يخبز "رغيف الحرية" لجميع القلوب الشغوف إلى تعايش سلمي وحياة كريمة وتعليم إنساني راق يُثري الفكر والوجدان؛ لنعيش أسوياء بلا شروخٍ في جدران أرواحنا المنهكة، فتأتي عباراته وكأنها قصيدة من قصائد شاعر رومانسي يتغنى بحُب الحياة.

 

كما أكد "بابا الفاتيكان" في خطابه أن تحقيق السلام لن يتأتي عفويًا أو قدريًا؛ إلا بمشروطية الأخذ بأسباب تحقيقه لكافة الشعوب على الأرض .. فقال ـ لا فض فوه ـ : "إن السلام هو هبة من الله ولكنه أيضًا ثمرة لجهد الإنسان، إنه خيرٌ يجب أن يُشيَّد وأن يُحرَّس، في إطار احترام المبدأ الذي يؤكد قوة القانون لا قانون القوة. سلامٌ لهذا الوطن الحبيب، سلامٌ لكل هذه المنطقة".

 

استشعرنا بزيارته لنا أنه جاء ليـُهدهد أرواحنا بكف الرحمة والسماحة العالية في نفسه؛ المؤمنة أشد الإيمان بعدالة الله السماوية، وأننا ـ بني البشرـ من يُفسد ويقوِّض أركان هذه العدالة السماوية بالتكأكؤ والصراع على السلطة الدنيوية والعروش الزائلة؛ والاتجاه ": إلى العنف الأعمى وغير الإنساني الناتج عن عدة عوامل: الرغبة الجامحة للسلطة؛ وتجارة الأسلحة؛ والمشاكل الاجتماعية الخطيرة والتطرف الديني الذي يستخدم اسم الله القدوس لارتكاب مجازر ومظالم مريعة..." ." ... فالتاريخ، خلافاً لذلك، يكرِّم بناة السلام، الذين يناضلون من أجل عالم أفضل، بشجاعة وبدون عنف: "طوبى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللَّهِ يُدْعَوْنَ" (متى 5، 9).

 

إذن .. لقد واجهنا البابا بعيوبنا؛ وتركنا في "حيصَ بيْصٍ" بين ثنايا كلماته المنتقاة؛ والتي لم تترك لنا ـ نحن الأدباء والمثقفين ـ فرصة التحليل والتدليل والشرح فلم تحتج إليها، فنقلنا بكل الصدق عباراته التي لا تقبل الجدل ولا التأويل، فقد وردت صريحة بلا مداراة أو التفاف حول العبارات ـ بما يسمونها الدبلوماسية السياسية ـ فدخلت كالسهم المارق في قلوبنا؛ غارسة بذور شجرة الحُب ليستظل بها البشر، وليدلل أنه لم يجاملنا بأقواله المادحة بما ليس فينا من نفحات الروح الإلهية السامية؛ استشهد بما جاء في الكتاب المقدس؛ مختتمًا كلمته بما يوجب الانحناء تكريمًا لمكانته؛ فجاءت العبارة سلسة سهلة على لسانه وموحية بمكنون شفافية الروح والقلب .. ليقول : "أشكركم جميعًا على استقبالكم الحار، وأطلب من الله القدير والواحد أن يغمر جميع المواطنين المصريين ببركاته الإلهية. وليمنح الله مصر السلام والازدهار والتقدم والعدالة ويبارك جميع أبنائها! "مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ" كما يقول الرب في سفر النبي إشعياء.

 

شكرًا لكم وتحيا مِصر! لا يسعنا إلا أن نشكره على ما خلفه من لقطات تاريخية تعلو فيها البسمة على الشفاه مع رئيسنا ومستقبليه وعلى هذه المحاضرة الروحية القيمة .. فلنضعها في متن كتب التعليم في مدارسنا؛ وأيقونة على الحوائط في بيوتنا ومحافلنا الأدبية والثقافية لنرسخ أن الدين لله والوطن للجميع . عاشت مصر .. تخبز رغيف الحرية وتُطعم قمح السلام وتنثر بذوره في العالم أجمع.

 

** أستاذ العلوم اللغوية - أكاديمية الفنون


مع الناس نيوز مع الناس نيوز
المدير العام

0  170 0

آخر المعجبين بالخبر

اخبار مشابهة

اخبار مقترحة